عندما يذوب الجليد السياسي: الأسباب الحقيقيّة لرغبة ترامب بغرينلاند
10 Jan 202606:57 AM
عندما يذوب الجليد السياسي: الأسباب الحقيقيّة لرغبة ترامب بغرينلاند
خاص موقع Mtv
 

 

يتصدّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في العالم من دون منازع. فتصريحٌ واحد منه بات كفيلاً بإرباك الأسواق، واستنفار العواصم، وفتح ملفات كانت تُعتبر حتى الأمس القريب خارج التداول. يفرض ترامب إيقاعه الخاص، مستعيداً منطق الصفقات الكبرى، ومقدّماً نفسه كقائد للعالم يكسر القواعد قبل إعادة صياغتها.

وفي هذا السياق، لم يكن عودة اسم غرينلاند إلى الواجهة تفصيلاً عابراً. فجزيرةٌ مغطّاة بالجليد في أقصى شمال العالم تحوّلت فجأة إلى عنوان سياسي ضاغط، بعدما أعاد ترامب طرح فكرة "امتلاكها" بوصفها خياراً استراتيجياً. فما هي الأسباب الحقيقيّة التي سلّطت أضواء إدارته عليها من جديد؟

الجغرافيا مُغرية...
أهمية غرينلاند تبدأ من الجغرافيا. فالجزيرة تقع على تقاطع استراتيجي بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتشرف على المسارات القطبية التي باتت تحظى باهتمام متزايد مع تصاعد التوترات الدولية. في زمن الصواريخ العابرة للقارات والمراقبة الفضائية، لم يعد القطب الشمالي هامشاً، بل خط تماس صامت بين القوى الكبرى.
الولايات المتحدة تدرك ذلك جيداً. فهي موجودة عسكرياً في غرينلاند منذ عقود، وتستخدمها كنقطة متقدّمة للإنذار المبكر والرصد الفضائي. لكن الفرق بين "الوجود" و"الملكية"، في نظر ترامب، هو الفرق بين النفوذ القابل للتفاوض والسيطرة غير القابلة للمساومة.

كنز تحت الجليد
إلى جانب الأمن، هناك الاقتصاد. غرينلاند تختزن ثروات معدنية نادرة تدخل في صلب الصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، من البطاريات إلى أنظمة الدفاع. فترامب، الذي يربط الأمن القومي بالقدرة الصناعية، يرى في غرينلاند فرصة مزدوجة: تقليص الاعتماد على الخارج، وتعزيز موقع الولايات المتحدة في سباق التكنولوجيا والطاقة النظيفة. غير أن هذه الثروات لا تزال محاطة بتعقيدات بيئية وكلفة استثمارية عالية، ما يجعلها ورقة استراتيجية أكثر منها مكسباً سريعاً.

القطب الشمالي يتغيّر
التغير المناخي يضيف بُعداً آخر للحسابات. ذوبان الجليد، وإن كان بطيئاً، يعيد رسم خرائط الملاحة العالمية، ويفتح نقاشاً حول طرق شحن جديدة تربط آسيا بأوروبا عبر الشمال. وفي هذا السياق، تتحوّل غرينلاند إلى نقطة مراقبة وتحكّم، لا إلى مجرّد جزيرة نائية. بالنسبة لترامب، هذا التحوّل يعني شيئاً واحداً: من يسبق إلى تثبيت نفوذه اليوم، يحصد المكاسب غداً. ومن هنا، يصبح الاستثمار السياسي في غرينلاند استثماراً في مستقبل النظام التجاري والأمني العالمي.

"ضربة" في السياسة
خلف كل هذه الحسابات، يبقى البُعد السياسي الداخلي حاضراً بقوة. فترامب لا يتعامل مع السياسة الخارجية فقط كملف استراتيجي، بل كأداة لإعادة تقديم نفسه كزعيم لا يخشى كسر المحرّمات، ولا يتردّد في تحدّي الحلفاء قبل الخصوم.
الضغط على الدنمارك، الدولة الحليفة والعضو في حلف شمال الأطلسي، ليس تفصيلاً. بل هو رسالة مزدوجة: للداخل الأميركي، بأن "أميركا أولاً" لا تستثني أحداً، وللخارج، بأن زمن المجاملات الدبلوماسية قد انتهى.

تهديدٌ... فصفقة؟
قد لا يكون هدف ترامب النهائي هو ضمّ غرينلاند بقدر ما هو رفع سقف التفاوض، فالتلويح بالسيناريو الأسوأ غالباً ما يكون، في أسلوبه، مدخلاً لفرض تنازلات: استثمارات أكبر، وجود عسكري أوسع، أو ترتيبات أمنية أكثر مرونة.
لكن الخطورة تكمن في أن اللعب على هذا الحبل المشدود قد يخرج عن السيطرة. فغرينلاند ليست ورقة معزولة، بل جزء من توازن دقيق في منطقة باتت مرشّحة لأن تكون مسرح الصراع المقبل بين القوى الكبرى.

غرينلاند، في نظر دونالد ترامب، ليست مجرد جزيرة جليدية، بل هي مفتاح للأمن، للاقتصاد، ولإعادة تعريف النفوذ الأميركي في عالم يتغيّر بسرعة على توقيت ساعة واشنطن.
وبين التهديد والصفقات، يبقى السؤال الأكبر: هل سيكتب ترامب فصلاً جديداً من السياسة الدولية، أم سيفتح باباً لفوضى غير محسوبة مع "ذوبان جليد" الحسابات الحقيقيّة؟